عرض ونقد

هل دسّ المنافقون أحاديثًا في السّنة النبويّة؟

الاعتراض:

يدّعي بعض المشككين في السّنة إمكانَ دسّ أحاديث فيها من المنافقين الذين عاصروا النبيّ ﷺ، إذ لم يكن النبيّ ﷺ ولا أصحابه يعرفون كلّ منافقٍ بزعمه، فالمحدّثون بالأحرى.


والجواب على هذا من وجوه:

– أولا : نقلة حديث رسول الله ﷺ في عهده معروفة أسماؤهم عندنا، وليس منهم مجهول، والأحاديث التي بين أيدينا نعرف رواتها بأسمائهم، فنحن نعرف أنه روى عنه عمر وابنه وابن عباس وابن مسعود وأبو سعيد وجابر وجرير وأبو هريرة وغيرهم من الصحابة، وكل هؤلاء معروفة سيرهم وأحوالهم معرفة دقيقة ، منكشفة لكل من طالعها، انكشافا جليًّا، فمن طالع في ذلك لا يشك لحظة، ولا يشتبه عليه حالهم بحال المنافقين. وجاءت تزكية جملتهم في القرآن بأوصافهم، وتزكية كثير منهم في السنة بأعيانهم.

– ثانيا: واقع الرواية في كتب الحديث التي بين أيدينا: أن أسماء من روى عن النبي ﷺ السنة مباشرة: لا يبلغون ألفي شخص، كما ذكره الذهبي، والمكثرون دون ذلك بكثير، وهم قليل جدا بالنسبة لمجموع الصحابة، وحال جميعهم معروفة، فاحتمال دخول أحد من أهل النفاق فيهم احتمالٌ لا يحفل به، لبعده وشططه.

بل إن جمهور السنة ثابت من طريق عدد قليل من الصحابة، كعائشة وأبي هريرة وأنس وابن عباس وابن مسعود وابن عمر، فلعل هؤلاء وحدهم ورد عنهم شطر السنة.

– ثالثا: المنافقون في عهده ﷺ منهم من كان يعرفه ﷺ بعينه وسيماه، ومنهم من كان يعرفه في لحن القول، فعليه فلم يكن أحد يخفى عليه أمره جملةً، كما قال سبحانه: { وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} {محمد:30}}.

قال الإمام أبو جعفر رحمه الله: ” فلتعرفنهم بعلامات ‏النفاق الظاهرة منهم في فحوى كلامهم، وظاهر أفعالهم، ثم إن الله تعالى ذكره ‏عرفه إياهم “.

وجاء عن حذيفة رضي الله عنه في المنافقين: ” ما بقي من المنافقين إلاَّ أربعة “.‏ أي: ” أحياء ” ممن كان أخبره النبي ﷺ بأعيان فريق منهم.

فمن المنافقين من كشف الله أمره للنبي بعينه، ومنهم من كشفهم له بصفاتهم ولحن أقوالهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في (منهاج أهل السنة): ” وينبغي أن يُعرف أن المنافقين كانوا قليلين بالنسبة ‏إلى المؤمنين، وأكثرهم انكشف حاله لما نزل فيهم القرآن، وغير ذلك ‎” فلم يبق منهم أحد مجهولا.

فإذا كان انكشف حالهم في زمن النبوة، فكيف يمكنهم دس الباطل في السنة على صحابة بعد رسول الله ﷺ؟!

– رابعا: يكاد يكون محالا أن يتمكن المنافقون من دسّ الباطل في سنة النبي ﷺ؛ لوجود الصحابة وتوافرهم، فهم النقلة الأمناء، وهم يعرفون سنة النبي، وإذا كان من المنافقين من يحاول أن يلبس فيها، فسينكشف أمره سريعا.. وقد كان الصحابة يكتشفون خطأ الرواية العادي إذا ورد على بعضهم.

– خامسا: المنافقون غير أنه لا يلتبس أمرهم بالصحابة لأنهم إما معروفون بأعيانهم أو بسماتهم المباينة لسمات الصحابة، فكذلك قد تاب غالبهم من النفاق، وفي الاستدلال لذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة النبوية: ” والذين كانوا منافقين منهم من تاب عن نفاقه وانتهى عنه، وهم الغالب؛ بدليل قوله تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا….}، فلما لم يُغرهم الله بهم، ولم يقتلهم تقتيلا، بل كانوا يجاورونه بالمدينة، دل ذلك على أنهم انتهوا…. وبالجملة: فلا ريب أن المنافقين كانوا مغمورين أذلاء مقهورين لا سيما في آخر أيام النبي ﷺ وفي غزوة تبوك…. ” انتهى.

وعمدة الوجوه كلها أننا نعرف أسماء نقلة السنة عن النبي ﷺ وأحوالهم معرفة دقيقة، فلا يلتبسون بالمنافقين بوجه من الوجوه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى