تعزيز اليقين

كمال الله المطلق

إن المؤمن كما أنه يؤمن بأن الله موجود، وأنه الخالق للكون، فإنه يؤمن مع ذلك بأن الله متصف بالكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، فالمؤمن يعلم أن الكمال ثابت لله، بل الثابت له أقصى ما يمكن من الكمال.

  •  فحياة الله كاملة من كل وجه، وكمالها يستلزم نفي الموت عنه والنوم والسنة.
  • وعلم الله كامل من كل وجه، وكماله يستلزم نفي الجهل عنه والنسيان والغفلة.
  •  وقدرة الله كاملة من كل وجه، وكمالها يستلزم نفي العجز والضعف عنه.

وهكذا الحال في كل صفات الكمال الإلهي. ومن مجموع هذه الكمالات يتحقق الكمال المطلق لله تعالى، فالكمال المطلق عبارة عن اجتماع صفات الكمال كلها في ذات واحدة، وانتفاء صفات النقص عنها، فهو إذن نتيجة اجتماع أنواع الكمالات وانتفاء جنس النقص.

وهناك تلازم ضروري بين الإيمان بوجود الله وبين الإيمان بثبوت الكمال المطلق له، فكل من آمن بوجود الله، فإنه يلزمه أن يؤمن بالكمال المطلق له، وشعور المؤمن بثبوت الكمال المطلق لله لا يختلف عن شعوره بوجود الله وربوبيته للكون، فهما متلازمان في عقله وفطرته، يقول ابن تيمية: “هذا المعنى -ثبوت الكمال لله- مستقر في فطر الناس، بل هم مفطورون عليه، فإنهم كما أنهم مفطورون على الإقرار بالخالق، فإنهم مفطورون على أنه أجل وأكبر وأعلى وأعلم وأعظم وأكمل من كل شيء”، وكل من آمن بالله وبربوبيته للكون ثم لم يؤمن بثبوت الكمال له، فإنه سيكون متناقضا لا محالة؛ لكونه فصل بين متلازمات ضرورية.

وأما الأصول التي تدل على ثبوت الكمال المطلق لله، فهي متعددة الجوانب والاتجاهات، تتضافر فيما بينها في الدلالة والبيان.

  • منها: أن كمال الله تعالى من ذاته لا من أحد سواه، فإنه سبحانه مستغن عن كل شيء، وكل شيء مفتقر إليه، فما له من الكمال لا يمكن إذن أن يكون من غيره، وإنما هو من ذاته فقط، وما كان من ذاته فهو ملازم له، فذاته قديمة الوجود، فكماله لا بد أن يكون قديم الوجود لا ينفك عن ذاته.
  • ومنها: أن الله تعالى خالق الوجود كله بضخامته وتنوعه واتساعه، والخلق:
  • يستلزم كمال الحياة؛ إذ يستحيل وجود الخلق العظيم بدون الحياة.
  • ويستلزم أيضا كمال العلم؛ إذ يستحيل وجود هذا الخلق العظيم المتقن الجاري على سنن مستقيمة مع الجهل أو نقص العلم.
  • ويستلزم أيضا كمال الإرادة؛ إذ يستحيل وجود هذا الكون العظيم في وقت محدد وصفة محددة ونظام محدد مع عدم الإرادة والقصد.
  • ويستلزم أيضا كمال القدرة؛ إذ يستحيل انتقال الكون العظيم من العدم إلى الوجود بغير قدرة وقوة توجب ذلك.
  • ويستلزم كمال الحكمة؛ إذ يستحيل أن يكون ما نشهده في الكون من خير وجمال ودقة وانتظام ووضع لكل شيء في موضعه من غير أن يكون ذلك ناتجا عن حكمة بالغة.

واجتماع هذه الصفات في ذات يستلزم ثبوت سائر الكمالات؛ لأنها أصول الكمال وأساسه وفي بيان هذا المعنى يقول ابن القيم: “وخلقه تعالى لهم متضمن لكمال قدرته وإرادته وعلمه وحكمته وحياته، وذلك يستلزم لسائر صفات كماله ونعوت جلاله”.

وقد دل القرآن في نصوص كثيرة على ثبوت الكمال المطلق لله تعالى بطرق متعددة، ومن ذلك:

  • إثبات المثل الأعلى لله تعالى، كما في قوله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم}[النحل: ٦٠]، والمراد بالمثل الأعلى: الصـفات العليا، والكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه.
  • ومن ذلك إثبات الحمد لله تعالى في آيات كثيرة جدا، ومن أعظم أسباب استحقاق الله الحمد ثبوت الكمال له، فالله تعالى يحمد على ما اتصف به سبحانه من الكمال والجلال والجمال، كما يحمد على ما أنعم به من النعم والخيرات.

ومع إيمان المؤمنين بثبوت الكمال المطلق لله تعالى، فإنهم يؤمنون أيضا بأن الكمال الذي يجب لله تعالى هو الكمال الممكن الوجود، وأما الممتنع فليس من الكمال الاتصاف به؛ لأنه في الحقيقة ليس بشيء، ولا يمكن تحققه في الواقع، فعدم وجوده ليس نقصا، فلا يكون انتفاؤه منافيا للكمال.

وكذلك يؤمنون بأن كمال أفعال الله متعلق بحكمته البالغة التي لا يعلمها إلا هو، فانتفاء بعض الأفعال في وقت من الأوقات، أو في حال من الأحوال، لعدم تعلق الحكمة بها ليس نقصا، بل هو الكمال عينه، فمعلوم في العقل أن مجرد فعل من الأفعال لا يكون محققا للكمال، وإنما لا بد من توافقه مع طبيعة الحال والواقع وانسجامه مع الحكمة، وفي توضيح هذه الحقيقة يقول ابن القيم: “القدرة إن لم يكن معها حكمة، بل كان القادر يفعل ما يريده بلا نظر في العاقبة، ولا حكمة محمودة يطلبها بإرادته، ويقصدها بفعله، كان فعله فسادًا، كصاحب شهوات الغي والظلم، الذي يفعل بقوته ما يريده من شهوات الغي في بطنه وفرجه ومن ظلم الناس، فإن هذا وإن كان له قوة وعزة، لكن لما لم يقترن بها حكمة كان ذلك معونة على شره وفساده.

وكذلك العلم كماله أن يقترن به الحكمة، وإلا فالعالم الذي لا يريد ما تقتضيه الحكمة وتوجبه، بل يريد ما يهواه، سيفه غاوٍ، وعلمه عون له على الشر والفساد، هذا إذا كان عالِمًا قادرًا مريدًا له إِرادة من غير حكمة، وإِن قدر أنه لا إرادة له فهذا أولًا ممتنع من الحي، فإن وجود الشعور بدون حب ولا بغض ولا إِرادة ممتنع، كوجود إرادة بدون الشعور…

والمقصود أَن العلم والقدرة المجردين عن الحكمة لا يحصل بهما الكمال والصلاح، وإنما يحصل ذلك بالحكمة معها، واسمه سبحانه (الحكيم) يتضمن حكمته في خلقه وأَمره في إِرادته الدينية الكونية، وهو حكيم في كل ما خلقه وأَمر به”.

ومقتضى هذا التقرير أن المؤمن لا ينظر إلى الكمال الإلهي إلا بمنظار التضافر بين صفات الكمال كلها، بخلاف غيره من الناقدين للأديان، فإنهم لم يدركوا هذه الحقيقة، فأخذوا ينظرون إلى الكمال الإلهي بنظرة التفرقة والانفصال بين صفات الكمال، فوقعوا في مشكلات معرفية كبيرة.


لقراءة مقال الكمال الإلهي لايمكن الإحاطة به 

اضغط هنا

الكاتب: مستفادة من كتاب ظاهرة نقد الدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى