تعزيز اليقين

الجزية ..

مقدارها وممن تؤخذ

إن أصل شرعة الجزية في الإسلام قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } (التوبة: 29).

اعتبروها نوعا من الإتاوة الظالمة – واعتبروها نوعا من الإكراه على اعتناق الإسلام، وأنها عقوبة من الإسلام لأهل الكتاب، وبخاصة انها اقترنت بالصغار.

وثمة مغالطات عديدة تقترن بفهم هؤلاء لهذه الشرعة الإلهية، ونشرع ببيانها بإذن الله

 

  • هل الجزية المفروضة على أهل الذمة جزاء على الكفر

لا ريب أن الجزية في اللغة مشتقة من مادة (ج ز ي)، بمعنى المجازاة، والمكافأة ، ولكن المجازاة ليست على الكفر، بل هي على شيء آخر، وهو الضمانات التي يقدمها الإسلام لدافعي الجزية من اهل الذمة.

قال القرطبي عن تسمية الجزية: “أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن”. الجامع لأحكام القرآن (8/114).

ولو كانت الجزية عقوبة على الكفر لما أسقطت عن النساء والشيوخ والأطفال لاشتراكهم في صفة الكفر، بل لو كان كذلك لزاد مقدارها على الرهبان ورجال الدين، بدلاً من أن يُعفوا منها.

قال الباجي: “الجزية تؤخذ منهم على وجه العوض، لإقامتهم في بلاد المسلمين والذبِّ عنهم والحماية لهم”. المنتقى شرح موطأ مالك (2/175).

إن حساب الكافر على كفره لن يكون دراهم معدودات ، إن احدا من البشر لا يقدر على مجازاة الكافر، ولذلك فالله هو يتولى حساب من كفر به في الآخرة: {قل الله أعبد مخلصاً له ديني  فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين} (الزمر: 14-15). وقال تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} (الغاشية: 21-22).

  •  هل الإسلام أول من اخذ الجزية؟

والإجابة بالطبع لا، فهذا امر دأبت عليه الأمم قبل الإسلام، بل وشرعته الكتب المقدسة عند الامم قبل الإسلام.

فالعهد القديم الذي يؤمن به اليهود والنصارى يشرع شرعة الجزية في ويذكر أن الأنبياء عليهم السلام أخذوا الجزية من الأمم المغلوبة حين غلبوا على بعض الممالك ، كما صنع النبي يشوع مع الكنعانيين حين تغلب عليهم “فلم يطردوا الكنعانيين الساكنين في جازر، فسكن الكنعانيون في وسط افرايم إلى هذا اليوم، وكانوا عبيداً تحت الجزية” (يشوع 16)، وقد جمع لهم بين العبودية والجزية.

ويذكر إنجيل متّى 22أنه في المسيح سئل: “أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا؟ .. فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ قالوا له: لقيصر. فقال لهم: أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر، وما للّه للّه”.

ويعتبر العهد الجديد أداء الجزية للسلاطين حقاً مشروعاً، بل ويعطيه قداسة، ويجعله أمراً دينياً، إذ يقول بولس في رومية 13: “لتخضع كل نفس للسلاطين، السلاطين الكائنة هي مرتبة من الله، حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، ..  فأعطوا الجميع حقوقهم، الجزية لمن له الجزية، الجباية لمن له الجباية، والخوف لمن له الخوف، والإكرام لمن له الإكرام”.

  •  ٣- من كان يدفعها وما مقدارها

الجزية فرضها الله على المقاتلين والقادرين على حمل السلاح دون غيرهم من النساء والاطفال والرهبان والعجزة، هذا موضع إجماع من المسلمين.

وهذا واضح لمن تدبر آية الجزية {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (التوبة: 29)، وأول ما نلحظه أن الآية خطاب إلى المؤمنين تأمرهم بأخذ الجزية من المقاتلين دون غيرهم.

قال القرطبي في تفسيره: “قال علماؤنا: الذي دل عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من المقاتلين … وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، وهم الذين يقاتلون، دون النساء والذرية والعبيد والمجانين المغلوبين على عقولهم والشيخ الفاني”.

قال الإمام مالك في الموطأ: “مضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب ولا على صبيانهم، وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم، وليس على أهل الذمة ولا على المجوس في نخيلهم ولا كرومهم ولا زروعهم ولا مواشيهم صدقة”.

لكن السؤال: هل طبق المسلمون هذا في تاريخهم ام أعرضوا عن هدي كتابهم، دعونا نتأمل شهادة آدم متز في كتابه الحضارة الإسلامية فيقول: ” فكان لا يدفعها إلا الرجل القادر على حمل السلاح، فلا يدفعها ذوو العاهات، ولا المترهبون وأهل الصوامع إلا إذا كان لهم يسار”.

وبمثله شهد ول ديورانت في قصة الحضارة بقوله: “ويعفى منها الرهبان، والنساء، والذكور الذين هم دون البلوغ، والأَرِقَّاء، والشيوخ، والعَجَزة، والعُمي، والشديد الفقر”.

الأصل في الجزية أن تكون مبلغاً رفيقاً يراعي حالة الدافعين، ففي البخاري أن عمر أوصى الخليفة بعده بأهل الذمة، إذ يقول: ( وألا يكلفوا فوق طاقتهم).

وطوال تاريخ الإسلام لم تتجاوز الجزية أربع دنانير سنويا، بل تراوحت بين الأربعة دنانير والدينار، بحسب حال الدافع للجزية.

يقول المؤرخ بنيامين كما نقل عنه آدم متز في الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري: “إن اليهود في كل بلاد الإسلام يدفعون ديناراً واحداً”.

ويقول دربير في كتابه “المنازعة بين العلم والدين”: “إن المسلمين ما كانوا يتقاضون من مقهوريهم إلا شيئاً ضئيلاً من المال لا يقارن بما كانت تتقاضاه منهم حكوماتهم الوطنية”.

بل يوصلنا مونتسكيو في كتابه “روح الشرائع” إلى نتيجة غريبة جدا، وهي أن سهولة الجزية كانت سبباً في انتشار الفتوحات الإسلامية : “إن هذه الأتاوات المفروضة كانت سبباً لهذه السهولة الغريبة التي صادفها المسلمون في فتوحاتهم، فالشعوب رأت – بدل أن تخضع لسلسلة لا تنتهي من المغارم التي تخيلها حرص الأباطرة – أن تخضع لأداء جزية خفيفة يمكن توفيتها بسهولة، وتسلمها بسهولة كذلك”.

وأما من عجز عن دفع هذا المبلغ الزهيد، فإن الفقهاء أسقطوها عنه، يقول ابن القيم في كتابه أحكام أهل الذمة: ” تسقط الجزية بزوال الرقبة أو عجزها عن الأداء “.

قال القاضي أبو يعلى في كتابه الأحكام السلطانية: “وتسقط الجزية عن الفقير وعن الشيخ وعن الزَمِن”.

وهنا نسأل هل كانت الجزية القرآنية اتاوة كما هي عند الأمم السابقة، ام كانت جزء من عقد الذمة الذي يوجب على المسلمين في مقابل هذه الدنانير القليلة سلسلة من الضمانات، وهذا سيكون موضوع حلقتنا القادمة بإذن الله.

  • ٤- معنى الصغار احتياطا

وأما الأمر بالصغار الوارد في قوله:{وهم صاغرون}، فهو معنى لا يمكن أن يتنافى مع ما رأيناه مع تعاليم الإسلام بوجوب البر والعدل، وحرمة الظلم والعنت، وهو ما فهمه علماء الإسلام

فسره الشافعي بأن تجري عليهم أحكام الإسلام، أي العامة منها، فالجزية علامة على خضوع الأمة المغلوبة للخصائص العامة للأمة الغالبة.

وفسره التابعي عكرمة مولى ابن عباس بصورة دفع الجزية للمسلمين، فقال: “أن يكونوا قياماً، والآخذ لها جلوساً”، إذ لما كانت اليد المعطية على العادة هي العالية، طلب منهم أن يشعروا العاطي للجزية بتفضلهم عليه، لا بفضله عليهم.

يقول ابن القيم والماوردي والقرطبي في تفسيره: “فجعل يد المعطي في الصدقة عليا، وجعل يد المعطي في الجزية سفلى، ويد الآخذ عليا”. الجامع لأحكام القرآن (8/115) ، وتفسير الماوردي (2/351-352).

وأما ما نقل عن بعض الفقهاء من صور مستقبحة في معنى الصغار فهي مما استقبحه العلماء وأنكروه، ومنه ما نقله تقي الدين الحصني الشافعي عن بعضهم بقولهم: “وتؤخذ على وجه الصغار والإهانة؛ بأن يكون الذمي قائماً، والمسلم جالساً، ويأمره أن يخرج يده من جيبه، ويحني ظهره، ويطأطئ رأسه، ويصب ما معه في كفة الميزان، ويأخذ المستوفي بلحيته، ويضرب في لهزمته، وفي مجمع اللحم بين الماضغ والأذن”.

وتعقبها النووي بقوله: “هذه الهيئة باطلة، ولا نعلم لها أصلاً معتمداً، وإنما ذكرها بعضهم .. فالصواب الجزم ببطلانها، وردها على من اخترعها، ولم ينقل أنه عليه الصلاة والسلام ولا أحد من الخلفاء الراشدين فعل شيئاً منها”.[1]

ولما ذكر ابن القيم صوراً شبيهة ذكرها الفقهاء عقّب بقوله: “وهذا كله مما لا دليل عليه ولا هو مقتضى الآية، ولا نقل عن رسول الله ولا عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك، والصواب في الآية أن الصغار هو التزامهم لجريان أحكام الملة عليهم وإعطاء الجزية، فإن التزام ذلك هو الصغار”.[2]

ونقل النووي عن جمهور العلماء قولهم: “تؤخذ برفق كأخذ الديون”. [3]

  • ٥- ضمانات في مقابل الجزية

تحدثنا في الحلقة الماضية عن الجزية ومشروعيتها عند الاديان والامم الاخرى وتحدثنا عن مقدارها وعمن تجب عليه.

وهنا بين ايدينا سؤال هام: هل كان فرض القرآن للجزية على اهل الذمة صورة مما عرفته البشرية من اتاوات باهظة يفرضها القوي الغالب على الضعيف المغلوب.

ونقول لا فإن شرعة القرآن للجزية تتناسب مع الرؤية الحضارية التي نشهدها في كافة التشريعات القرآنية، فإن الجزية جزء من عقد معاوضة بين المجتمع المسلم واهل الذمة، يقوم على مبدأ الأخذ والعطاء، أخذ دنانير معدودة في مقابل مجموعة من الضمانات التي لن تجد لها عند الامم مثيلاً.

 أول هذه الضمانات الحماية ، وقد ضمنه النبي صلى الله عليه وسلم لربيعة الحضرمي حين اخذ منه الجزية، فكتب له: “وأن نَصْرَ آل ذي مرحب على جماعة المسلمين ، وأن أرضهم بريئة من الجور”. رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى

وبمثله ضمن عبادة بن الصامت للمقوقس عظيم القبط ، حين قال: ” نقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إن كنتم في ذمتنا ، وكان لكم به عهد علينا …”. رواه ابن عبد الحكم في فتوح مصر وأخبارها

وكتب خالد لأهل بعض النواحي في العراق : “فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا حتى نمنعكم”. تاريخ الطبري

 لذا قرر الفقهاء أن الجزية شرطها الحماية، قال أبو الوليد الباجي في المنتقى شرح موطأ مالك: ” الجزية تؤخذ منهم على وجه العوض لإقامتهم في بلاد المسلمين والذب عنهم والحماية لهم”. وبمثله قال الماوردي في الأحكام السلطانية، والنووي في مغني المحتاج وابن قدامة في المغني.

بل ينقل القرافي في الفروق عن ابن حزم إجماعاً للمسلمين لا تجد له نظيراً عند أمة من الأمم، فيقول: “من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك، صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله r؛ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة”.

ويعلق القرافي فيقول: “فعقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صوناً لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم”.

ولا يسقط واجب المسلمين بحماية أهل الذمة وهم في ديار الإسلام، بل يمتد إلى إطلاق أسراهم الذين غُلبنا عليهم، يقول ابن النجار الحنبلي في مطالب أولي النهى: “يجب على الإمام حفظ أهل الذمة، ومنع من يؤذيهم، وفكُّ أسرهم، ودفع من قصدهم بأذى”.

ولما أغار أمير التتار قطلوشاه على دمشق في أوائل القرن الثامن الهجري، وأسر من المسلمين والذميين من النصارى واليهود عدداً، ذهب إليه الإمام ابن تيمية ومعه جمع من العلماء، وطلبوا فك الأسرى، فسمح له بالمسلمين، ولم يطلق الأسرى الذميين، فقال له شيخ الإسلام: “لابد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، ولا ندع لديك أسيراً، لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة، فإن لهم ما لنا، وعليهم ما علينا”، فأطلقهم الأمير التتري جميعاً. مجموع الفتاوى 28

وحين عجز المسلمون عن حماية أهل الذمة ردوا إليهم ما أخذوه من الجزية لفوات شرطها، وهو الحماية، رد ابو عبيدة مال الجزية وقال: “إنما رددنا عليكم أموالكم، لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط وما كان بيننا وبينكم ؛ إن نصرنا الله عليهم”. رواه أبو يوسف في الخراج (166) ، وانظره في: فتوح البلدان  للبلاذري (187).

وحين قام أهل الذمة بالمشاركة بالذود عن بلادهم أسقط عنهم المسلمون الجزية، كما صنع معاوية t مع الأرمن، يقول لوران المؤرخ الفرنسي في كتابه “أرمينية بين بيزنطة والإسلام” : ” والعهد أعطاه معاوية سنة 653م، إلى القائد تيودور رختوني بان يدفعوا عن بلادهم.

ولما تعهد الجراجمة (قريباً من أنطاكيا) بالقيام بالدفاع عن ثغرهم مع المسلمين، وأن يكونوا عيوناً للمسلمين وأعواناً لهم؛ أسقط عنهم أبو عبيدة  الجزية، بل صالحهم على أن ينفلوا مع المسلمين إذا غنموا في حربهم إلى جانب المسلمين. رواه البلاذري في فتوح البلدان (217).

وبمثله صالح أهل السامرة ، مثله صنع سويد ين مقرن مع أهل جرجان، كما  كتب عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب لأهل أذربيجان بإسقاط الجزية عمن قاتل مع المسلمين منهم، وسراقة بن عمرو لأهل أرمينيا.

لذا حق لآدم ميتز في الحضارة الإسلامية أن يرى الجزية أشبهت ما نسميه اليوم بالخدمة العسكرية، إذ يقول: ” وكانت هذه الجزية أشبه بضريبة الدفاع الوطني، فكان لا يدفعها إلا الرجل القادر على حمل السلاح “.

ويوافقه المؤرخ توماس أرنولد في الدعوة إلى الإسلام ، فيقول: “ولم يكن الغرض من فرض هذه الضريبة على المسيحيين لوناً من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الإسلام، وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة. وهم غير المسلمين من رعايا الدولة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش، في مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين”.

ويقول ول ديورانت قصة الحضارة: ” ولم تكن هذه الضريبة تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح .. وكان الذميون يعفون في نظير هذه الضريبة من الخدمة العسكرية .. وكان لهم على الحكومة أن تحميهم”.

أما فان فلوتن كما نقل عنه الإسلام وأهل الذمة قوله فيرى أنها أشبه بضريبة خدمات: “الضرائب ليست فادحة بالنسبة لما كانت تقوم به الحكومة العربية من بناء الطرق وحفر الترع وتوطيد الأمن وما إلى ذلك من ضروب الإصلاح، والحقيقة أن الجزية لم تكن عقاباً لأهل الذمة، فهي نظير إعفائهم من الجندية وفي مقابل حماية المسلمين لهم”.

الضمانة الثانية: التكافل الاجتماعي

لعل من أهم الضمانات التي يقدمها الإسلام لغير المسلمين – الذين يقيمون في المجتمع المسلم – كفالتهم ضمن نظام التكافل الإسلامي.

وحث الإسلام أيضاً المؤمنين وألزمهم بالإحسان والبر في معاملة من لا يعتدي على المسلمين، فقال تبارك وتعالى:{وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} (البقرة: 195).

وقدجعل الإسلام دفع الزكاة إلى مستحقيها من المسلمين وغيرهم ركناً من أركان الإسلام،فقال تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} (التوبة: 60) قال القرطبي: ” ومطلق لفظ الفقراء لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة .. وقال عكرمة: الفقراء فقراء المسلمين،والمساكين فقراء أهل الكتاب”.

ويقول السرخسي في المبسوط: “لنا أن المقصود سد خلة المحتاج ودفع حاجته بفعل هو قربة من المؤدي، وهذا المقصود حاصل بالصرف إلى أهل الذمة، فإن التصديق عليهم قربة بدليل التطوعات، لأنّا لم ننه عن المبرة لمن لا يقاتلنا، قال الله تعالى :{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} (الممتحنة: 8)”.

ولئن كان الخلاف بين الفقهاء قوياً في بر أهل الذمة من أموال الزكاة المفروضة، فإنهم أجازوا دفع الكفارة الواجبة إلى أهل الذمة، بل قدمهم الكاساني في بدائع الصنائع فيها حتى على المسلم ، لأنها ” وجبت لدفع المسكنة، والمسكنة موجودة في الكفرة، فيجوز صرف الصدقة إليهم، كما يجوز صرفها إلى المسلم، بل أولى، لأن التصدق عليهم بعض ما يرغبهم إلى الإسلام ويحملهم عليه”.

وأمر القرآن الكريم ورغَّب بالصدقة على غير المسلمين، فقد روى أبو عبيد أن بعض المسلمين كان لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، يريدوهم أن يسلموا ، فنزلت : {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} (رواه أبو عبيد وابن زنجويه في الأموال وصححه الألباني في تمام المنة (1/389).

وقد جاء في مراسيل سعيد بن المسيب أن رسول الله تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود، فهي تجري عليهم “. رواه أبو عبيد في الأموال ح (1322)، وصحح الألباني إسناده  إلى سعيد في تمام المنة (1/378).

وعليه قد أجاز فقهاء الشريعة التصدق على أهل الذمة، يقول أبي رزين قال كنت مع سفيان بن سلمة فمر عليه أسارى من المشركين، فأمرني أن أتصدق عليهم، ثم تلا هذه الآية: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً}

ووفق هذا الهدي سلك أصحاب النبي من بعده ، فكتب خالد بن الوليد النصارى الحيرة : ” وجعلتُ لهم أيما شيخ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه؛ طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله”. رواه أبو يوسف في كتاب الخراج

وروى ابن زنجويه بإسناده أن عمر بن الخطاب رأى شيخاً كبيراً من أهل الجزية يسأل الناس فقال: (ما أنصفناك إن أكلنا شبيبتك، ثم نأخذ منك الجزية، ثم كتب إلى عماله أن لا يأخذوا الجزية من شيخ كبير). رواه أبو يوسف في الخراج ، وانظر الأموال

وفي رواية أن عمر أخذ بيده وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال : (انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} والفقراء هم المسلمون ، وهذا من المساكين من أهل الكتاب)، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه. رواه أبو يوسف في كتاب الخراج

وكان مما أمر به رضي الله عنه : “من لم يطق الجزية خففوا عنه، ومن عجز فأعينوه”. تاريخ مدينة دمشق

ومر كم في فتوحات البلاد نفي الجابية على مجذومين من أهل الذمة،فأمر أن يعطوا  صدقات المسلمين،وأن يجري عليهما القوت من  بيت المال.

وكتب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز إلى واليه عدي بن أرطأة : “وانظر من قِبَلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب؛ فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه”. رواه أبو عبيد ابن زنجويه في كتابيهما الأموال .


[1] كفاية الأخيار (1/669).

[2] أحكام أهل الذمة (120-121).

[3] كفاية الأخيار (1/669).

الكاتب: الفريق العلمي لقسم الأحكام الشرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى