تعزيز اليقين

حجيَّة الظّن في ثبوت الأخبار

إذا كان الحديث -حتّى الصّحيح منه- ظنّي الثبوت، فكيف تبنى الأحكام الشرعية على “الشَّك”؟.

بهٰذه الصيغة وصيغ مماثلة تتفاوت في دقّة التعبير يطرح هذه السؤال كثيرًا، ومع تفاوت دقّة التّعبير يبقى القدر المشترك في عدم دقة محتوى السّؤال والمعلومات المبني عليها كبيرًا، في هذا المقال نحاول الذهاب في رحلة قصيرة سريعة في جذور السّؤال وفروعه ليكون التعامل مع ثمرته علميًّا وواقعيًّا.

أولًا: ترتيب أوراق:

إن هناك عدة أنواع من الخلط تساهم متضافرة في تكوين هذا الإشكال، لذا يجدر عند مناقشته البدء بتناولها بالإيضاح والتبيين:

النوع الأول: تفاوت اليقين:
فبعض النّاس يتعامل مع (اليقين-القطع-العلم) كدرجة واحدة، كأنه الدرجة الماْئة في النسبة المئوية، فإذا وصفنا نوعًا معيّنًا من الأدلة باليقيني أو أنه يفيد العلم؛ فهو الدّرجة (١٠٠)، ويلزم أن كل ما دونه لا يفيد العلم ولا اليقين ولو كان درجة (٩٩)، والحقيقة أنّ اليقين يتفاوت وليس على درجة واحدة، فتحقق أعلى درجات اليقين في نوع من الأدلة لا يعني بالضرورة أن كل ما دونه من الأنواع قد خرج من دائرة إفادة العلم واليقين، وهذا معلوم في سائر شؤون النّاس في الدِّين والدّنيا، وبه وقع الفرق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين[١]، والناس تجد في نفسها يقينًا في أمر ما بناء على شواهده، فإن زادت شواهده زاد يقينهم فيه، ولا يعتبرون ما كانوا عليه قبل زيادة الشواهد شكًّا أو ظنًّا أو وهمًا، والأدلة الشرعية والعقلية على هذا متعددة[٢]، وعلى ذلك: إن قلنا أن التّواتر مفيد للعلم واليقين؛ فلا يساوي هذا بالضرورة أن كل ما لم يتحقّق فيه التواتر بشروطه المعروفة عند الأصوليين لا يمكن أن يفيد العلم واليقين، هذا مع وقوع أيضًا قدر من النسبية في هذا بين الناس، فليس كل يقين عند بعض الناس يقينًا عند غيرهم بحسب توفر الأدلة والقرائن عند كلٍّ منهم.

النوع الثاني: العلم الضروري والعلم النظري:
فالضروري هو: الذي يُضْطر الإِنْسانُ إليهِ بحيثُ لا يُمْكنه دفْعُهُ، فهو يفيدُ العلمَ بلا استدلالٍ، ويحصل به العلم لكل سامع[٣].
والنَّظري: يفيد العلم مع الاستدلال، ولا يحصل إلا لمن له أهلية النظر[٤].

وبصورة أبسط؛ فإن الضروري هو الذي يتجلى ثبوته بصورة لا يحتاج معها إلى استدلال وجمع قرائن، وقد يحصل حتَّى للعامي غير المتخصص، ومن صوره في موضوعنا: “التواتر”، إذ يثبت به العلم الضروري[٥]، والتواتر، هو: رواية الجمع عن الجمع، الذين يمتنع اتفاقهم على الكذب، أو الخطأ[٦]، أما العلم اليقيني النظري الذي يتحقق بالاستدلال والقرائن فقد يقع في الحديث غير المتواتر بحسب القرائن التي تحققت فيه[٧]، وإغفال تحقق “اليقين – القطع – العلم” بالنظر والاستدلال واعتبار أنه لا يقع إلا للضروري فقط؛ هو ما يوسع دائرة الإشكال دون داعٍ، بل ويخالف واقع الناس.

النوع الثالث: الظن والشك:
إذ يعتقد البعض أنّ الظن مرادف للشك، بل منهم من يعده مرادفًا للوهم، وهذا خلط مخالف للغة والاصطلاح.

قال ابن قدامة: (الظن ميلها -أي النفس- بسبب)، وقال القرَّافي والزركشي: (الظن: اسم للاحتمال الراجح)، بينما الشك: (تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر)، أما الوهم فهو: (الطرف المرجوح غير الجازم بين المترددين)، وجمعَ الثلاثة تعريف الرازي: (التردد بين الطرفين إن كان على السوية فهو الشك، وإلا فالراجح الظن، والمرجوح وهم). بل ومن العلماء من جعل الظن مقابلًا (مضادًا) للشك، لكون الظن فيه إدراك لأحد الطرفين، أما الشك فإدراك للطرفين دون ترجيح[٨].

فالقول بأن الظن هو معنى مذموم مطلقًا استدلالًا بالآيات القرآنية التي ورد فيها ذم الظن، مثل قوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}[٩] هو قول قاصر، وذلك لورود الظن في كتاب الله أيضًا بمعان أخرى، فقد ورد الظن في القرآن الكريم بمعنى اليقين: { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون}[١٠]، وقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ }[١١] ، وجاء بمعنى الاحتمال الراجح كقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}[١٢]، { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ}[١٣]، وهي معان لغوية متعددة لنفس الكلمة، والاستدلال بواحدة منها فقط دون الآخرين انتقاء أو خطأ في التّصوّر، ومن هذا عُلم أن الظن المذموم في القرآن هو العاري من الدليل والحجّة، أما المبني على الاحتجاج والاستدلال وبذل الوسع فيه؛ لا يوضع أبدًا في نفس السلة معه.

النوع الرابع: حديث الآحاد وحديث الرجل الواحد:
يتصوَّر البعض أن كلمة (حديث آحاد) تعني بالضرورة أنه قد رواه رجل واحد، بينما حديث الآحاد في حقيقته ليس كذلك، فالحديث المشهور هو -اصطلاحًا-: حديث آحاد رغم أن الحديث المشهور قد رواه فوق الثلاثة في كل طبقة[١٤]، ومنه العزيز: الذي رواه اثنان في الطبقة[١٥]، أما الحديث الغريب: فهو الذي يرويه واحد في إحدى طبقاته[١٦]، وهو أحد أنواع الآحاد وليس مرادفًا له، لذلك تجد من يقول: لا يمكن أن نقبل بحديث الآحاد؛ فينبغي أن يرويه اثنان على الأقل، فيدل هذا على الفور على وجود خلط في فهم معنى (حديث الآحاد)، لأن ما رواه اثنان وثلاثة وأكثر؛ يظل -اصطلاحًا- حديث آحاد، لأنه لم يبلغ حد التواتر بمعناه الاصطلاحي.

وهذا التفرد -الحديث الغريب- ليس مقبولًا مطلقًا عند المحدثين وإن كان من ثقة أو صدوق، فبعض التفرد مقبول وبعضه محل للتعليل بحسب قرائن متعدّدة ليس هذا محل بسطها[١٧].

النوع الخامس: الآحاد والضعيف:
وهذه نسمعها أحيانًا لا سيما من غير المتخصصين، سواء ممن تصدروا للكلام ونشر الفكر والرأي، أو في مجالس الناس العادية، فتجد من يجعل كلمة (آحاد) مرادفة لكلمة: (ضعيف)، ومضادة لكلمة: (صحيح)، فيقول: هذا الحديث آحاد ليس صحيحًا!، وفي ظل هذا الخلط يغفل عن كون علم الحديث قام في الأساس على تحقيق أحاديث الآحاد، فكل تلك العلوم والقواعد والتدقيقات التي تثبت المقارنة الدقيقة تفوقها على مناهج البحث العلمي التاريخي التي أقرتها الجامعات الغربية والشرقية بعد نشأة علم الحديث بأكثر من عشرة قرون[١٨]؛ اهتمت بشكل أساسي بحديث الآحاد وتمييز صحيحه من سقيمه، والمقبول منه والمردود، فمن يطالع شروط صحة الحديث الخمسة: (اتصال السند، عدالة الرواة، ضبط الرواة، انتفاء الشذوذ، انتفاء العلة)، وقواعد الجرح والتعديل، واكتشاف العلل الخفية والتدليس بأنواعه، وتمييز أخطاء الثقات أنفسهم؛ يدرك أن ما يمر من هذه الشروط والقواعد لا يمكن أن يوصف بالوهم والشك، وأنه قد اصطحب من حجج وأدلة الثبوت ما يرفع كثيرًا منه إلى درجة القطع، وما بقي في دائرة الظن الراجح قد صاحبه ما يوسع الهوة بينه وبين الشك والوهم، وقد استفرغ فيه الوسع الكافي لإقامة الحجة والالتزام به.


ثانيًا: من أين نبدأ؟

إنَّ الكلام عن حجية السنة النبوية وما يحتج به منها وما لا يحتج به؛ يأتي تاليًا للإيمان بصدق نبوة النبي محمد ﷺ والإيمان بكون القرآن الكريم كلام الله تعالى الذي أوحاه إلى نبيه ﷺ، هذا ترتيب منطقي للأمور، فمثلًا: من لا يؤمن بوجود خالق للكون أصلًا؛ لا معنى لمناقشته في مسائل النبوة قبل حسم تلك المسألة معه، لأن من لا يؤمن بوجود إله كيف سيؤمن بوجود رسل للعدم؟ [١٩]، كذلك من لم يؤمن بنبوة النبي محمد ﷺ فلا معنى للقفز معه لمناقشة تفاصيل بعض الأحكام الفرعية في الدين الذي أرسل به، وهكذا، وهذا مما يهدر الكثير من الجهود بعيدًا عن مواطن إفادتها، فإذا تحقق الإيمان بنبوة النبي ﷺ ونسبة القرآن الكريم إلى رب العالمين؛ فإن الوحي هنا هو من يعلمنا منهج الاستدلال والتلقي والتعامل مع النصوص الشرعية، ويعلمنا ما تقوم به الحجة وما لا تقوم به، ودلالة الوحي كافية في إثبات الصورة المقبولة للدليل والحجة أيًّا كان الوصف اللغوي والاصطلاحي لها، فمن يعتقد بحجية حديث الآحاد -وهم جماهير الأمة سلفًا وخلفًا[٢٠] – يقول بذلك، لأن تلك الصورة من الاحتجاج أقرها الشرع بغض النظر عن وصفها بالقطع أو بالظن الراجح، فإنها وإن جزم بوصفها (ظنًّا راجحًا) فإقرار الشرع لها كحجة هو إقرار لحجية الظن الراجح، مع عدم التسليم للقول بأن كل أحاديث الآحاد تفيد الظن مطلقًا، بل منها ما يفيد القطع واليقين كما سيأتي.


ثالثا: من أدلة حجية حديث الآحاد:

وهي كثيرة جدًّا، وقد أسهب فيها الإمام الشافعي -رحمه الله- في كتابه الشهير: (الرسالة)، كما فعل ذلك الكثير من العلماء والباحثين المتقدمين والمتأخرين، ولعدم مناسبة مقام المقال للتفصيل أذكر بعضها مختصرة:

  • قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ للَعَلَّهُمْ يَحْذَرُوْن}، والطائفة تقع على الواحد فما فوقه، فأوجب الحذر بقول الآحاد، وقال تعالى: {يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَحيث جعل علة رد الأخبار الفسق لا الوحدة[٢١]، فلو كان واحدًا غير فاسق لقبل خبره.
  • قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَفَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنْ يَسْأَلَ أَهْلَ الذِّكْرِ وَهُمْ أُولُو الْكِتَابِ وَالْعِلْمِ، وَلَوْلَا أَنَّ أَخْبَارَهُمْ تُفِيدُ الْعِلْمَ لَمْ يَأْمُرْ بِسُؤَالِ مَنْ لَا يُفِيدُ خَبَرُهُ عِلْمًا، وَهُوَ سُبْحَانُهُ لَمْ يَقُلْ سَلُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ بَلْ أَمَرَ بِسُؤَالِ أَهْلِ الذِّكْرِ مُطْلَقًا، فَلَوْ كَانَ وَاحِدٌ لَكَانَ سُؤَالُهُ وَجَوَابُهُ كَافِيًا [٢٢].
  • الأخبار المتواترة في أن النبي ﷺ كان يرسل الرسل إلى الملوك، ويرسل الدعاة إلى أطراف الأرض ليبلغوا العقائد والأحكام، وقيام الحجة على تلك الأقوام بذلك البلاغ مع كون المبلغ رجلًا واحدًا يحتمل في حقه الخطأ [٢٣].
  • حادثة تحول القبلة التي رواها عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، وقبول المصلين في مسجد قباء خبر رجل واحد وتحولهم عن القبلة وهم في صلاتهم دون تردد، مع كون القبلة الأولى أمرًا مقطوعًا به لديهم، ومع ذلك انصرفوا عنه فورًا بخبر رجل واحد [٢٤]، ولم يرد أي عتاب أو إنكار من النبي ﷺ وكبار صحابته عليهم، وهذا مما يستدل به أيضًا على أن حديث الآحاد قد يفيد القطع [٢٥].
  • الآيات والأحاديث الآمرة بتبليغ الرسالة دون اشتراط للتواتر: ﴿يَٰأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيّ-ﷺ- قَالَ: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)[٢٦]، وقوله ﷺ: (أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ)[٢٧]، وقوله ﷺ: (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ)[٢٨].
  • أنَّ الأمة مكلّفة باستفراغ الوسع، فمن استفرغ وسعه في التثبت وتحرى أدلته فقد أدى ما عليه، ولا يلزم بما فوق طاقته ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
  • ما كان عليه الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- ومن تبعهم من السلف الصالح من العمل بحديث الآحاد في شتّى أمورهم، وهذا جلي متواتر عنهم، فالإجماع منعقد على العمل بحديث الآحاد في الظنيات[٢٩] كالعبادات والمعاملات، وكذلك إجماع الأمة على العمل بحديث الآحاد في القطعيات على اختلاف طرائقهم، إذ تستدل كل طائفة منهم -كالقدرية والمرجئة والرافضة والخوارج فضلا عن أهل السنة-؛ على صحة معتقدها بحديث آحاد، وهذا إجماع منهم على العمل به حتى في العقائد والقطعيات [٣٠].
  • حفظ الله تعالى لدينه، فالله تبارك وتعالى تكفل بحفظ دينه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، ويدخل في الذكر السنة النبوية لقوله تعالى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}، وقوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ۝ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ۝ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُوالسنة مبينة للقرآن، لا تطبق جل أحكامه إلا بها، والسّنة أكثرها آحاد، واعتبار أن الآحاد لا تقوم به حجة يخالف الاعتقاد بحفظ الله تعالى لدينه، ولو أراد الشارع الحكيم القدير تبارك وتعالى صورة معينة من صور النقل لا تقوم الحجة إلا بها؛ لأمر بها تبارك وتعالى ويسر أسبابها.
  • الواقع العملي للناس في حصول اليقين أو درجة الثقة في أي خبر بما يرتب عليه اعتقاد وعمل يشهد بحجية الآحاد، وكذلك واقع الشريعة في إقامة الحجج، كقيام الحجة بشهادة شاهدين، وأربعة، وشاهد واحد في الأحكام المختلفة، يقول الإمام ابن القيم: (إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرُونَ لِإِفَادَةِ أَخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ الْعِلْمَ يَشْهَدُونَ شَهَادَةً جَازِمَةً قَاطِعَةً عَلَى أَئِمَّتِهِمْ بِمَذَاهِبِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا، وَلَوْ قِيلَ إِنَّهَا لَمْ تَصِحَّ عَنْهُمْ لَأَنْكَرُوا ذَلِكَ غَايَةَ الْإِنْكَارِ، وَتَعَجَّبُوا مِنْ جَهْلِ قَائِلِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تِلْكَ الْمَذَاهِبَ لَمْ يَرْوِهَا عَنْهُمْ إِلَّا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ وَنَحْوُهُمْ، وَلَمْ يَرْوِهَا عَنْهُمْ عَدَدُ التَّوَاتُرِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ يَقِينًا.

فَكَيْفَ يَحْصُلُ لَهُمُ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ وَالْمُقَارِبُ لِلضَّرُورِيِّ بِأَنَّ أَئِمَّتَهُمْ وَمَنْ قَلَّدُوهُمْ دِينَهُمْ أَفْتَوْا بِكَذَا وَذَهَبُوا إِلَى كَذَا، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا بِمَا رَوَاهُ عَنْهُمُ التَّابِعُونَ وَشَاعَ فِي الْأُمَّةِ وَذَاعَ، وَتَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَتَنَوَّعَتْ، وَكَانَ حِرْصُهُ عَلَيْهِ أَعْظَمَ بِكَثِيرٍ مِنْ حِرْصِ أُولَئِكَ عَلَى أَقْوَالِ مَتْبُوعِيهِمْ؟ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ الْعُجَابُ)[٣١].


رابعًا: هل أحاديث الآحاد ظنية مطلقًا؟
فكما سبق ذكره أن القول بظنية حديث الآحاد مطلقًا غير صحيح، فالظنية والقطع درجات يتدرج فيها الخبر بحسب قرائنه، فحديث الآحاد الصحيح الذي تحققت فيه شروط صحة الحديث الصعبة؛ قد يرقى إلى درجة القطع إذا احتفت به قرائن إضافية زادت من درجة ثبوته، (وقد يَقعُ فيها -أي في أَخْبارِ الآحادِ المُنْقَسِمَة إِلى: مَشْهورٍ، وعَزيزٍ، وغَريبٍ- مَا يُفيدُ العلم النظريَّ بالقَرائِنِ)[٣٢]، ومن هذه القرائن التي أوردها ابن حجر:

  • ما اتفق عليه الصحيحان، لعلو شأنهما وشرطهما وتلقي الأمة كتابيهما بالقبول.
  • ما له طرق متباينة سالمة من الضعف والتعليل.
  • المسَلْسَلُ بالأئمةِ الحفاظِ المُتْقِنينَ.

يقول الإمام ابن الصلاح: (وهذا القسم -يقصد ما اتفق عليه البخاري ومسلم- جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به. خلافًا لقول من نفى ذلك محتجًّا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن والظن قد يخطئ، وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويًّا ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولًا هو الصحيح، لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ ولهذا كان الإجماع المبتنى على الاجتهاد حجة مقطوعًا بها وأكثر إجماعات العلماء كذلك)[٣٣].


خامسًا: هل تقسيم الأدلة إلى قطعي وظني بلا قيمة!

إذن فهل يعني كل ما سبق ذكره أن تفاوت درجة الخبر بين القطع والظن الراجح لا أثر له في التطبيق العملي مطلقًا؟ وأن غاية أثرها في درجة اليقين القلبي تجاهه فقط؟.

الحقيقة أن أثر تصنيف الأخبار بل والأدلة عمومًا (خبرية وعقلية وحسية) إلى قطعي: (مفيد للعلم واليقين)، وظني: يتجلى دوره في التطبيق العملي عند التعارض، فمن شروط حجية الظن عند العلماء عدم وجود معارض قطعي له، بل عدم وجود معارض ظني أقوى منه في الثبوت[٣٤]، بل إذا تعارض القطعي مع الظني لا يعدون هذا تعارضًا حقيقيًّا يحتاج إلى ترجيح، إذ أن الظن سينتفي في هذه الحالة لوجود القطع المعارض له[٣٥]، ولا يظن القارئ أن هذه مرحلة لاحقة لتحقيق الحديث، أي أن الحديث يقطع له بالصحة أو لا ثم ينظر في مخالفته لما هو أقوى منه ثبوتًا، بل إن وصول الحديث لصفة الصحيح يتطلب أولًا سلامته من عدة مخالفات، منها: مخالفة القرآن، ومخالفة المعروف من السنة المحفوظة (التي تعلوه في الثبوت)، ومخالفة المحسوس، ومخالفة العقل، فكل هذا يدخل في تحقق شرط انتفاء العلة[٣٦].

وإن قيل كيف وهناك أحاديث صحيحة جزم المحدثون بصحتها يقال عنها أنها تعارض القرآن أو العقل أو المحسوس!، والحقيقة أن النظر التفصيلي في هذه المسائل يبين أن هذا التعارض غير حقيقي، إذ أنه كثيرًا ما تنتج مثل هذه التعارضات المتوهمة عن فهم خاطئ للنص القرآني أو النبوي وإسقاط أحدهما في غير موضعه، أو خطأ في الدليل العقلي أو المحسوس، هذا بجانب التصيد أو السطحية والعجلة

 أحيانًا، فانحسار تعظيم سنة النبي ﷺ في قلوب البعض يجعل اختيار الطعن في النص وإسقاطه أيسر عليهم من النظر في حقيقة معناه وفي حقيقة الدليل الذي يتوهم معارضته له من حيث كونه فعلًا قطعيًّا أم لا، وكونه معارضًا فعلًا للحديث أم لا، فالتعارض بين النقل القطعي وبين العقل القطعي أو المحسوس (كالعلم التجريبي) القطعي لا يقع، وإنما قد يقع التعارض بين النقل القطعي والعقل أو العلم الظني، فيقدم النقل القطعي لكونه قطعيًّا وليس لكونه نقلًا، أو يقع التعارض بين النقل الظني وبين العقل أو العلم القطعي، وحينها يقدم العقل أو العلم القطعي أيضًا لكونه قطعيًّا، وقد يقع التعارض بين النقل الظني والعقل أو العلم الظني، وحينها ينظر في القرائن والمرجحات لتقديم أحدهما على الآخر[٣٧].

 كما أن بعض الإشكالات التي تقع في الوقت الحالي تأتي بسبب التعامل مع ظنيات العقل وظنيات العلم التجريبي على أنها قطعيات مؤكدة، وهذا سببه أولًا: الجهل بالعلم التجريبي نفسه وبقطعيات العقل، فلا يفرق بين ما وصل من مسائل العلم التجريبي إلى حد اليقين وما بقي في نطاق النظرية المحتملة التي كثيرًا ما يثبت خطؤها، ولا يفرق بين العقل الصريح الذي لا يُختلف فيه وبين التذوق والرأي الشخصي.

ثانيًا: المغالاة والمبالغة في تقدير وتقديس كل ما ينسب للعلم التجريبي والعقل وإن كان غير قطعي بل وإن كان أحيانًا مجرد نظريات مقطوع بخطئها وبتعسف الاستدلال فيها أو نظرات عقلية يظهر الخلل فيها بوضوح.

ثالثًا: افتراض استقلالية العلم التجريبي وتفسيراته عن فلسفات القائمين عليه ودوافعهم العقائدية، فالتجربة العلمية محايدة في الأصل ولكن بناء الاستدلال عليها وصياغة نتائجها ليست كذلك بالضرورة [٣٨].

ومن المعلوم أن مثل التعارضات المتوهمة وقوعها ليس قاصرا على السنة النبوية وأحاديث الآحاد، بل بعضها يثار حول آيات من القرآن الكريم وهو قطعي الثبوت، فاستغلال بعض منكري السنة مثل هذه الإشكالات لصب جمّ غضبهم ونقدهم على السنة النبوية وحصر سبب الإشكال في آلية الثبوت مردود عليهم، إذ أن الخلل في الأفهام يؤدي لوقوع مثل هذا مع القرآن الكريم وحينها لا يكون تعاملهم بنفي ثبوت القرآن والعياذ بالله، بل بإيضاح سبب الخلل في فهم المعارض، وهو ما نفس ما يقوم به العلماء مع السنة النبوية.


وأخيرًا : خاتمة

إن الله تبارك وتعالى قد ميز الإنسان بقدرته على الاستنتاج والتفكير والبحث، فجعل تكليفه ملائمًا لموهبته، فأوجب عليه الإيمان بالغيب لامتلاكه الأداة التي تمكنه من الاستدلال بالأثر على المؤثر، ومعرفة أمارات الصدق والكذب إذا أدعى رجل النبوة، والنظر في دلائل نسبة الكلام إلى الله تعالى واستحالة نسبته للبشر، وأبقى له باب تحري الحق مفتوحًا في كثير من التفاصيل مستخدمًا نعمة الله تعالى عليه، ليتميز المخلص المخالف للهوى الذي يجعل هواه تبعًا للدين عمن يجعل الدين تبعًا لهواه، فقال تعالى في كتابه الكريم { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ[٧]} سورة آل عمران، فكان من النص القرآني ما هو ظني الدلالة ينبغي رده إلى قطعي الدلالة ليفهم مراد الله تعالى منه، فيثاب المخلص المجتهد ويعاقب صاحب الهوى الانتقائي، وميز تلك الأمة بجهود شريفة أيضًا في تحري حديث نبيها صلى الله عليه وسلم لم يسبقهم إليها أحد[٣٩]، محاطون بالعون والتوفيق، والحفظ والعناية، فلا يكاد كاذب يهنأ بكذبه حتى يكتشف، ولا مخطئ في رواية حتى يظهر خطأه وإن كان ثقة أمينًا، فحفظ الدين بجهود ومساعي أبنائه وتقدير أسبابه، فجمع لهم الحفظ والأجر والتميز بين الأمم.


[١]تثبيت حجية خبر الواحد، أحمد عادل الغريب.
[٢]القطع والظن عند الأصوليين د. سعد بن ناصر الشثري صـ (٣٣-٣٦).
[٣] نزهة النظر لابن حجر بتصرف.
[٤] نزهة النظر لابن حجر بتصرف.
[٥] نزهة النظر لابن حجر.
[٦] تحرير علوم الحديث، د. عبد الله الجديع.
[٧] سيأتي ذكر بعضها.
[٨] يرجع في التعريفات الثلاثة لكتاب (القطع والظن عند الأصوليين).
[٩] سورة النجم.
[١٠] سورة البقرة ٤٦.
[١١] سورة الحاقة.
[١٢] سورة البقرة.
[١٣] سورة يوسف.
[١٤] الباعث الحثيث، نزهة النظر، تحرير علوم الحديث.
[١٥] نزهة النظر، تحرير علوم الحديث.
[١٦] الباعث الحثيث، نزهة النظر، تحرير علوم الحديث، مقدمة ابن الصلاح.
[١٧] للاستزادة: يرجع لكتاب (تحرير علوم الحديث) مبحث التعليل بالتفرد.
[١٨]  مصطلح التاريخ للدكتور أسد رستم (وهو غير مسلم)، أزمة البخاري لمعتز عبد الرحمن.
[١٩] ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث، دكتور سلطان العميري.
[٢٠] تفصيل أقوال العلماء في تثبيت حجية خبر الواحد، أحمد عادل الغريب.
[٢١] القطع والظن عند الأصوليين د. سعد بن ناصر الشثري.
[٢٢] مختصر الصواعق المرسلة، للإمام ابن القيم.
[٢٣] المصادر الثلاثة السابقة.
[٢٤] صحيح البخاري ٤٤٨٨ ٤٤٩٠ -٤٤٩١.
[٢٥] تثبيت حجية خبر الواحد، أحمد عادل الغريب.
[٢٦] صحيح البخاري ٣٤٦١.
[٢٧] صحيح البخاري ٤٤٠٦، صحيح مسلم ٤٤٧٧.
[٢٨] سنن أبي داود ٣٦٦٢، سنن الترمذي ٢٨٦٨.
[٢٩]القطع والظن عند الأصوليين د. سعد بن ناصر الشثري.
[٣٠] المصدر السابق.
[٣١] مختصر الصواعق المرسلة، للإمام ابن القيم.
[٣٢] نزهة النظر للإمام ابن حجر العسقلاني.
[٣٣]مقدمة ابن الصلاح.
[٣٤] حجية الظن، دراسة تأصيلية تطبيقية، د. عبد الله بن سعد آل مغيرة، مجلة العلوم الشرعية العدد ٢٥.
[٣٥] القطع والظن عند الأصوليين د. سعد بن ناصر الشثري.
[٣٦] تحرير علوم الحديث، د. عبد الله الجديع.
[٣٧]ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث، دكتور سلطان العميري.
[٣٨] دكتور عبد الوهاب المسيري على اليوتيوب https://www.youtube.com/watch?v=QcfaSfQ85vU&t=3s
[٣٩] مصطلح التاريخ، الدكتور أسد رستم.

الكاتب: معتز عبد الرحمن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى