عرض ونقد

الدفاع عن صحيح البخاري

إمام المُحدثين

بسم الله الرحمن الرحيم

إمـــــامُ المُحدثيــــن

استيقظتُ من النومِ على صوتِ أبي غاضباً ومردداً: أستغفرُ اللهَ .. يا ربِّ سَلِّم.
أسرعتُ إليه فوجدتُه جالساً أمامَ شاشةِ التلفازِ يشاهدُ حواراً حولَ البخاري،
ما بِك يا أبي ؟!

أجابَ وهو في قمةِ الغضبِ: هؤلاءِ يا بُني يريدونَ هدمَ الدينِ.

انزعجتُ بشدةٍ لنعتِ أبي لمَنْ ينتقدُ البخاري بمَن يريدُ هدمَ الدينِ، ولكنِّي استوعبتُ كلمتَه لعلمي بمدى ولَعِهِ بعلمِ الحديثِ وعلمائِه، ثمَّ بادرتُه بالسؤالِ: وهلِ البخاري معصومٌ حتى يُعدُ النيلُ منه هدماً للدينِ يا أبي ؟!

أجابَ وهو لا يزالُ ينتفضُ غضباً: ومَنْ قالَ إنَّه معصومٌ !! ولكنَّ كتابَه (الجامعُ الصحيحُ) الذي جمعَ فيه الصحيحَ مِنَ الأحاديثِ هو أصحُّ كتابٍ بعد كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ.


ولماذا تضعونَ كتابَه في هذه المنزلةِ بَيْدَ أنَّ مَنْ حرَّرَه بشرٌ وليسَ بنبيٍّ ؟!

اعتدلَ أبي في جلستِه وقد تخلَّى نسبياً عن غضبِه قائلاً: يا بُني نحنُ نتلقَّى دينَنا من القرآنِ والسُنةِ الصحيحةِ، فكلاهُما وحيٌ مِنَ اللهِ تعالى، ولهذا نرفعُ كتابَ صحيحِ البخاريِّ في المرتبةِ الثانيةِ بعدَ كتابِ اللهِ؛ لِأنَّه يحوي الصحيحَ مِنَ المصدرِ الثاني من مصادرِ التلقِّي.

وهلْ كتابُ البخاريِّ فقطُ هو الذي يحوي الأحاديثَ الصحيحةَ؟

انظرْ يا بُني، لقدْ وُلدَ محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريِّ عام ١٩٤هـ ، كَبُرَ وترعرعَ في القرنِ الثالثِ الهجري (الذي عَدَّه العلماءُ العصرَ الذهبيَّ للحديثِ) فوجدَ تراثاً هائلاً من كتبِ الحديثِ وضعَها مَن سبقوه، فكانَ هناك موطأُ الإمامِ مالكِ ( الذي تُوفي قبلَ ميلادِ البخاريِّ بخمسةَ عشرَ عاماً)، وكذلكَ مُسندُ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ (شيخُ البخاري ومعلِّمُه) لكنَّ كثيرًا مِن كُتُبِ الحديثِ حَوتْ داخلَها الصحيحَ والضعيفَ والمنقطعَ وأحياناً الموضوعَ، إلي أنْ جاءَ العصرُ الذهبيُّ للحديثِ وظهرَ أفذاذُ الرجالِ من حُفاظِ الحديثِ وأئمةِ الروايةِ وبزغَ نجومٌ في الحديثِ أمثالِ البخاريِّ ومُسلمٍ، أظهروا عنايةً فائقةً بصحةِ الأحاديثِ المُنتخَبَةِ في كتبِهم ودقةِ الأسانيدِ.


إذنْ يا أبتِ كيفَ كانَ الناسُ يقيمونَ دينَهم قبلَ البخاري؟

يا بُني هذا التساؤلُ مبنيٌّ على افتراضٍ خاطئٍ وهو أنَّ الأحاديثَ التي في صحيحِ البخاريِّ لم تكنْ معروفةً أو موجودةً في كتبِ الحديثِ قبلَ كتابِ الإمامِ البخاريِّ، بلِ الصوابُ أنَّ جميعَ هذهِ الأحاديثِ كانتْ موجودةً ومعروفةً قبلَ البخاريِّ، وكانَ المسلمونَ يعملونَ بها، كما في موطأِ الإمامِ مالكٍ ومُسندِ الإمامِ أحمدَ (الذي أخذَ منه البخاريُّ كثيرًا من الأحاديثِ) وكذلك مُسندُ أبي شَيبةَ، ولكَ أنْ تعلمَ أنَّه لا يوجدُ حديثٌ واحدٌ انفردَ به البخاريُّ في صحيحِه، بلْ قدْ زَينتْ هذه الأحاديثُ كُتُبَ مَنْ قبلَه، ما فعلَه البخاريُّ أنَّه دقَّقَ في مسموعاتِه ومروياتِه وانتقى أصحَّها وأدقَّها.


ولكنِّي سمعتُ أنَّ البخاريَّ جمعَ الصحيحَ في كتابِه خلالَ ستةَ عشرَ عاماً من ستمائةِ ألفِ حديثٍ سمعَها، فهل يُعقلُ أنْ يستطيعَ إنسانٌ سماعَ هذا العددِ الهائلِ من الأحاديثِ خلالَ عمرِه الملئِ بالأحداثِ والمواقفِ؟!

قبلَ أنْ أجيبَك عن سؤالكِ أوضحُ لكَ أولاً ما هو الحديثُ، إنَّ كلمةَ (حديث) تشتملُ على كلِّ ما يؤدي إلي قولٍ نبويٍّ ولو رُوِيَ من عدةِ طرقٍ ..

وسأضربُ لكَ مثالاً على ذلك:

حديثَ: ((من كذَب عليَّ متعمداً فليتبوء مقعدَه من النارِ)) أخرجَه البخاريُّ ومسلمُ.

هذا الحديثُ رواه عددٌ من الصحابةِ عنْ رسولِ اللهِﷺ، كلُّ روايةٍ من هذهِ الرواياتِ تُسمَّى حديثاً، بل إنَّ هذهِ القاعدةَ تُطَبَّقُ داخلَ دائرةِ الصحابيِّ الواحدِ، كأنْ يروي مثلاً (أنسُ بنُ مالكٍ) حديثًا عنْ رسولِ اللهِ ﷺ، ثم يروي  الحديثَ نفسَه عن (أنسٍ) أربعةٌ من الرواةِ، هنا كلُّ روايةٍ من هذه الرواياتِ تُسمَّى حديثاً، ثم يروي عن كلِّ راوٍ من هؤلاءِ الأربعةِ عددٌ آخرُ .. وهكذا تتعددُ طُرقُ الحديثِ الواحدِ، إذنْ هي ليستْ ستمائةَ ألفِ حديثٍ مختلفٍ، بل عددٌ من الأحاديثِ بعدةِ أسانيدٍ.

وهو أمرٌ ليسَ مُستغرباً إذا علمتَ أنَّ مُسندَ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ يحوي ثلاثينَ ألفَ حديثٍ من أصلِ سبعمائةٍ وخمسينَ ألفَ حديثٍ سمعَه.

 إذنْ فأخبرني يا أبي كيفَ كانتْ بدايةُ البخاريِّ معَ علمِ الحديثِ؟

أولاً يا بُني يجبُ أنْ تعلمَ أنَّ محمدَ بنَ إسماعيلَ البخاريَّ بدأَ في حفظِ الحديثِ وهو في سنِّ العاشرةِ أو أقلَّ، وعندَ بلوغِه سنَّ السادسةِ عشرَ كانَ قد حفظَ كُتُبَ ابنِ المباركِ ووكيعٍ، فقد حباه اللهُ بقوةِ حفظٍ ونباهةِ خاطرٍ وسيلانِ ذهنٍ فاقَ الوصفَ.

وقدْ طافَ البخاريُّ الكثيرَ من الأمصارِ الإسلاميةِ التي عَرِفتِ الحديثَ ليحصلَ على المزيدِ كالشامِ ومِصرَ والبصرةَ وبلادِ الحجازِ .. وخلالَ هذه الرحلاتِ التقى البخاريُّ بأكثرَ من ألفِ شيخٍ في هذا الفنِ، حيثُ قالَ رحمَه اللهُ:

(كتبتُ عن ألفِ شيخٍ من العلماءِ وزيادةٍ وليسَ عندي حديثٌ لا أذكرُ إسنادَه)، فأصبحَ على درايةٍ كاملةٍ بأقوالِ أهلِ الرأي ومسائلِهم الاجتهاديةِ، وعَرِفَ أساتذتُه ومشايخُه قدرَه ومكانتَه، حتى إنَّ كثيراً من أئمةِ العصرِ في هذا الفنِ كانوا يهابونَ حضورَ الإمامِ في درسِهم ويترددونَ في الروايةِ أمامَه خوفاً من أنْ يقعَ منهم خطأٌ عند البخاريِّ، بلْ وكانوا يعرضونَ عليه كتبَهم للتصحيحِ.

الأمرُ الثاني يا بني إنَّ الإمامَ البخاريَّ وهو في سنِّ الثامنةِ عشرَ كتبَ كتابَ (التاريخَ الكبيرَ)، في هذا الكتابِ سجَّلَ لغالبيةِ رواةِ الأحاديثِ فكتبَ فيه:

هذا سمِعَ من فُلانٍ .. وذاك لم يُحدِّث فُلانًا

هذا به عِلةٌ … وذاك يُؤخذُ منه، وغيرُه يُردُّ حديثُه … وهكذا

ولمَّا شرعَ في كتابةِ صحيحِه الجامعِ اعتمدَ في صحةِ الأسانيدِ على كتابِ التاريخِ الكبيرِ الذي جمعَ به جميعَ أحوالِ رواةِ الأحاديثِ.

وكيفَ له يا أبتي أنْ يعرفَ أحوالَ الرواةِ وهو لم يعاصرِ الكثيرَ جدًا منهم؟!

كمَا تعلمُ يا بُني فإنَّ الإمامَ البخاريَّ نشأَ في القرنِ الثالثِ الهجريِّ الذي يلقِّبونَه بالعصرِ الذهبيِّ للحديثِ الذي اعتنى فيه أئمةُ الحديثِ عنايةً فائقةً بعلمِ الإسنادِ (أي سلسلةَ الرواةِ المُوصِلةِ للمتنِ وهو قولُ النبيِّ ﷺ) وهو علمٌ لمْ تعرفْه البشريةُ من قبلُ إلَّا على أيدي أصحابِ الحديثِ الذينَ أسَّسوا قواعدَه بدقةٍ عاليةٍ أبهرتِ العقولَ وحافظتْ على بقاءِ الحديثِ النبويِّ بالسندِ المتصلِ، حتى أشادَ به الكثيرُ من غيرِ المسلمينَ بل والمعادينَ منهم للإسلامِ مثلِ القِسِّ المستشرقِ الإنجليزيِّ/ دافيد صموئيل الذي أقرَّ بأنَّه لم يتمالكْ نفسَه أمامَ توثيقِ المسلمينَ للروايةِ قائلاً: ليفتخرِ المسلمونَ ما شاءوا بعلمِ حديثِهم.

وقد انبثقَ من رَحِمِ علمِ الإسنادِ علمُ الجرحِ والتعديلِ الذي بحثَ عنْ أحوالِ جميعِ رواةِ الأحاديثِ في مدى عدالتِهم ونقاءِ سريرتِهم، وكذلكَ قوةِ الحفظِ واتقادِ الذهنِ.

كلُّ هذا التراثِ الضخمِ أخذَ منه إمامُنا ووضعَ في كتابِه (التاريخِ الكبيرِ) ثمَّ اعتمدَ عليه وعلى غيرِه في انتقاءِ أقوى الأسانيدِ وأصحِّها في كتابِه (الجامعِ الصحيحِ).

وما الذي دفعَه يا أبي لتأليفِ الجامعِ الصحيحِ؟

هناكَ أمرانِ أثَّرا في حياةِ الإمامِ وأدَّوْا به إلي تأليفِ كتابِه العظيمِ ..

الأمرُ الأولُ: أنَّه رحمَه اللهُ رأى في المنامِ أنَّه بينَ يدي رسولِ اللهِ ﷺ، وبيدِه مروحةٌ يذُبُّ بها عنه، فسألَ بعضَ المُعبِّرينَ فقالَ: إنَّك تَذُبُّ (تدفعُ) عنه الكذبَ، فحملَه ذلك على إخراجِ كتابِه.

أمَّا الأمرُ الثاني: أنَّه كانَ حاضراً في مجلسِ شيخِه المُحدِّثِ إسحاقَ بنِ راهويه فسمعَه يقولُ فيما معناه: لو جمعتُم كتاباً مختصراً لصحيحِ سُنةِ رسولِ اللهِ ﷺ فوقعتْ هذه الكلماتُ في قلبِ البخاريِّ فبدأَ بجمعِ الصحيحِ.

إذن يا أبي كيفَ كانَ منهجُ الإمامِ في انتقاءِ أحاديثِ الجامعِ الصحيحِ؟

اعلم يا بني أولاً أنَّ اسمَ الكتابِ هو:

(الجامعُ المُسندُ الصحيحُ المختصرُ من أمورِ “حديث” رسولِ اللهِ ﷺ وسننِه وأيامِه)

إذن هو كتابٌ يجمعُ حديثَ رسولِ اللهِ ﷺ، فهو (جامعٌ) لتنوعِ موضوعاتِه ما بينَ فضائلَ، أحكامٍ، آدابٍ، تفسيرٍ، عقائدَ… وهكذا

وهو (مُسندٌ) لاتصالِ جميعِ أحاديثِه إلي النبيِّ ﷺ.

وهو (صحيحٌ) لتوفرِ جميعِ شروطِ صحةِ الأحاديثِ داخلَه.

وهو (مختصرٌ) لأنَّه لم يجمعْ فيه كلَّ الصحيحِ خشيةَ الإطالةِ، فقد رُوِيَ عنه أنَّه قالَ: أحفظُ مئةَ ألفَ حديثٍ صحيحٍ، وأحفظُ مائتي ألفَ حديثٍ غيرِ صحيحٍ… وقد انتخبَ من الصحيحِ الذي يحفظُه فقطُ ما يقاربُ سبعةَ آلافٍ وثلاثمائةِ حديثٍ مكررٍ بأسانيدَ مختلفةٍ ليصبحَ العددُ حوالي أربعةَ آلافِ حديثٍ غيرِ مكررٍ ليضعَهم في كتابِه بعد أنْ يستخيرَ اللهَ في كلِّ حديثٍ.

وسوفَ أعطيكَ يا بني نُبذةً بسيطةً عن شروطِ الحديثِ الصحيحِ كما أقرَّها علماءُ الحديثِ:

  • اتصالُ السندِ: أي سلسلةَ الرجالِ الموصلةَ للمتنِ فيروي كلُّ راوٍ عن مَنْ قبله دونَ انقطاعٍ ولا تكونُ هناك فجوةٌ مكانيةٌ أو زمانيةٌ بينَ اثنينِ من الرواةِ.
  • عدالةُ الرواةِ: بحيثُ يتصفُ كلُّ راوٍ في السلسلةِ بالاستقامةِ في الدينِ وسلامةِ المذهبِ كما قالَ ابنُ المباركِ عن العَدلِ: “منْ كانَ فيه خمسُ خصالٍ، يشهدُ الجماعةَ، ولايشربُ هذا الشرابَ، ولا تكونُ في دينِه خَرِبةٌ، ولايكذبُ، ولايكونُ في عقلِه شيءٌ”.
  • ضبطُ الرواةِ: أنْ يشتهرَ الرواةُ بقوةِ الحفظِ ورجاحةِ العقلِ واليقظةِ.
  • عدمُ الشذوذِ: ألا يكونَ هناك شذوذٌ في الحديثِ فلا يكونُ مخالفاً لحديثٍ آخرَ أقوى منه.
  • عدمُ العِلةِ: ألا تكونَ في الحديثِ عِلةٌ تمنعُ تقبُّلِ صحتِه، وهو أمرٌ لا يدركُه إلا علماءُ الحديثِ.

الإمامُ البخاريُّ – رحمه الله – طبَّقَ جميعَ هذه الشروطِ في انتخابِ الأحاديثِ وأضافَ على شرطِ اتصالِ السندِ ثبوتَ لقاءِ كلِّ راوٍ بمَنْ روى عنه، فلمْ يكتفِ بمجردِ معاصرتِه له فقطُ.

ثمَّ رتَّبَ كتابَه النفيسَ ترتيباً دالاً على رجاحةِ عقلٍ وقوةِ فقهٍ وعبقريةٍ نادرةٍ، فقد قسَّمَ رضيَ اللهُ عنه الكتابَ إلي كُتُبٍ والكُتبَ إلي أبوابٍ، فجعلَه في سبعةٍ وتسعينَ كتاباً متسلسلاً وَفقَ منهجٍ علميٍّ صارمٍ ومغزى فقهيٍّ حكيمٍ، بدأَ بكتابِ (بدءِ الوحي) لأنَّه منبعُ الخيراتِ، ثمَّ كتابِ الإيمانِ يليهِ كتابُ العلمِ إشارةً إلي أنَّ الإيمانَ أشرفُ العلومِ وأنَّ العلمَ دونَ الإيمانِ ضلالٌ وانحرافٌ، ثمَّ بعدَ العلمِ يكونُ العملُ فنجدُ كتابَ الطهارةِ ثمَّ الصلاةِ والصيامِ .. وهكذا ليختمَ بكتابِ التوحيدِ.

وحيثُ أنَّ لكلِّ بيتٍ عنوانًا يدلُّ على موضعِه، فقد وضعَ الإمامُ البخاريُّ عناوينَ لأبوابِ كتبِه داخلَ الصحيحِ سُميتْ بالتراجمِ تجلَّى فيها بتعليقاتِه الدقيقةِ التي تكشفُ الغرضَ من انتخابِه لأحاديثِ كلِّ بابٍ بصورةٍ مذهلةٍ، حيثُ قيلَ إنَّ تراجمَه حيَّرتِ الأفكارَ وأدهشتِ العقولَ.

لكنْ دعني يا بني هذه المرةَ ألقي أنا عليك السؤالَ .. هل تظنُّ أنَّه إذا صدرَ كتابٌ في علمٍ من العلومِ كالفيزياءِ على سبيلِ المثالِ وأثنى عليه جمْعٌ كبيرٌ من علماءِ الفيزياءِ الأفذاذِ وأعطَوْه الصدارةَ بينَ كُتُبِ هذا العلمِ .. هل يكتسبُ هذا الكتابُ مصداقيةً ورسوخًا ويشتهرُ كاتبُه بالبراعةِ والنزاهةِ؟؟

بالتأكيدِ يا أبتي.

حسناً، فإنَّ مَنْ أثنى على كتابِ الجامعِ الصحيحِ وأقرَّ أنَّه أصحُ الكُتُبِ بعدَ كتابِ اللهِ هم علماءُ الحديثِ الكبارِ أصحابُ هذا الفنِ ونجومُه، فرأيُهم يُؤخذُ به ولا يُعارَضُ.

فتجدُ أنَّ كتابَ الجامعِ الصحيحِ اكتسبَ شهرةً واسعةً في حياةِ البخاريِّ، فرويَ أنَّه سمعَه منه سبعونَ ألفاً، وامتدتْ شهرتُه إلي أزمنةٍ طويلةٍ لاحقةٍ فلاقى الكتابُ قبولاً واهتماماً فائقيْنِ من العلماءِ، فأُلِّفتْ حولَه الكُتُبُ الكثيرةُ من شروحٍ ومختصراتٍ وتعليقاتٍ ومستدركاتٍ حتى نقلَ بعضُ المؤرخينَ أنَّ عددَ شروحِه وحدِها بلغَ أكثرَ من اثنينٍ وثمانينَ شرحًا … أكثرِهم شهرةً كتابُ (فتحُ الباري في شرحِ صحيحِ البخاري) الذي وضعَه الحافظُ ابنُ حجرٍ العسقلانيّ في خمسةَ عشرَ مجلداً أمضى حوالي عشرينَ عاماً في تأليفِها.

وقد أثنى جمعٌ غفيرٌ من العلماءِ على البخاريِّ سواءٍ من شيوخِه أو أقرانِه أو تلامذتِه.

ولنبدأُ  بثناءِ شيوخِه عليه لأنَّ رأيُ الشيخِ في تلميذِه يكونُ أصحَّ من غيرِه فهو كثيراً ما يجدُ فرصاً لاختبارِ ذكاءِ تلميذِه وفهمه  وحفظِه …

فنجدُ من شيوخِه قتيبةَ بنَ سعيدٍ يقولُ: جالستُ الفقهاءَ والزُهادَ والعُبادَ فما رأيتُ منذ عَقِلتُ مثلَ محمدٍ بنِ إسماعيلَ (البخاري) فهو في زمانِه كعُمرَ في الصحابةِ ( أي في العقلِ والمعرفةِ والجهرِ بالحقِ).

وهذا شيخُهُ إسماعيلُ بنُ أبي أويسٍ، وكانَ البخاريُّ ينتخبُ الأحاديثَ الصحيحةَ من كتابِه، فكانَ إسماعيلُ ينسَخُ هذه الأحاديثَ لنفسِه ويقولُ باعتزازٍ: هذه الأحاديثُ انتخبَها محمدٌ بنُ إسماعيلَ مِن حديثي.

أمَّا أقرانُه ومعاصريه وقد جاءَ في المثلِ (المعاصرةُ سببُ المنافرةِ) اعترفوا بعلمِه وفضلِه وقدَّموه حتى على أنفسِهم، فقالَ عبدُ اللهِ الدارميّ صاحبُ السُننِ: قد رأيتُ العلماءَ بالحرمينِ والحجازِ والشامِ والعراقِ، فما رأيتُ فيهم أجمعَ منمحمدٍ بنِ إسماعيلَ، وقالَ أيضاً: هو أعلمُنا وأفقهُنا وأكثرُنا طلباً

وقالَ عنه الإمامُ أبو بكرٍ محمدُ بنُ إسحقٍ: ما تحتَ أديمِ السماءِ أعلمُ بالحديثِ مِن محمدٍ بنِ إسماعيلَ.

وقد أثنى عليه من المتأخرينَ الذينَ انبهروا بعلمِه وفقهِه كوكبةٌ من علماءِ الحديثِ والفقهِ والتفسيرِ …

فقالَ عنه الحافظُ ابنُ كثيرٍ: البخاريُّ الحافظُ إمامُ أهلِ الحديثِ في زمانِه، والمُقتدى به في أوانِه، والمُقدمُ على سائرِ أضرابِه وأقرانِه، وكتابُه ((الصحيحُ)) يُستَقى بقراءتِه الغَمامُ، وأجمعَ العلماءُ على قبولِه وصحةِ ما فيه وكذلكَ سائرُ أهلِ الإسلامِ.

هذا يا بُني غَيضٌ من فيضٍ .. فلو تركتُ العِنانَ لثناءِ العلماءِ عليه لفنيَ القِرطاسُ ونفدتِ الأنفاسُ، فذاكَ بحرٌ لا ساحلَ له وطريقٌ لا نهايةَ له.

= حقاً يا أبتي، لكَم أدركتُ الآنَ قامةَ هذا الرجلِ وفضلَه على أمةِ الإسلامِ، فجزاه اللهُ خيرَ الجزاءِ لحفظِه سُنةِ رسولِ اللهِ ﷺ المصدرِ الثاني لدينِنا الحنيفِ،

أمَّا هؤلاء المتطاولونَ عليه والطاعنونَ في كتابِه إنْ كانَ عن جهلٍ منهم فنسألُ اللهَ لهم الهدايةَ، وإنْ كانَ عن حقدٍ وحسدٍ فسينفقونَ المالَ والجهدَ والأوقاتِ في سبيلِ تحقيقِ مرادِهم لكنَّها ستكونُ عليهم حسرةً ثم يُغلبونَ بإذنِ اللهِ.

وأذكرُ في هذا المقامِ بيتَ الشعرِ الذي يقولُ:

يا ناطحَ الجبلِ الأشمِّ بقرنِهِ
 رفقاً بقرنِك لا رفقاً على الجبلِ

نعم يا بُني ..

الكاتب: نيڤين جلال

المراجعة: كرم شامية،إيمان الحبوباتي

التدقيق اللغوي: أديبة المطيري

التصميم: ندى الأشرم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى