تعزيز اليقين

 افتتاحيـــة للتعريف بمشروع “المُيسّر في تعزيز اليقين “

الحمد لله العليم الحكيم، العزيز الرحيم، خلق كل شيء فسوى وأحكم، وأظهر براهين دينه فرحم وأنعم، والصلاة والسلام على رسوله الذي أرسله بالهدى ودين الحق، فأيده بالبراهين الساطعة، والحجج القاطعة، وجعل دينه خاتمًا للأديان، ماحيًا لكل ضلال وطغيان.

أولًا: تمهيـــــــــد

 

  •  اليقين .. خير نعمة وأعظم زاد

اعلم – رحمك الله – أنه ما من مسافر إلا ويحتاج لزاد يُعينه على مشاقّ الطريق، وأعظم ما يتزود به العبد في سفره للجنة هو ( اليقين)، فهو المُثبت على طريقها المحفوف بالشهوات، وبه يصل العبد لدرجة من الإطمئنان بالإسلام تجعل إيمانه راسخًا شامخًا لا يحول ولا يتغير، مُحاطًا بدرع متين يحميه – بحول الله وقوته – من هجمات المُشككين وفتن المتربصين؛ لذا كان اليقين خير نعمة يُرزق بها العبد، كما في الأثر: “أَلَا إِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطَوْا شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا خَيْرًا مِنَ الْيَقِينِ وَالْعَافِيَةِ، أَلَا فَسَلُوهُمَا اللَّهَ”.

ولأهمية اليقين وعِظم ثمرته؛ كان السلف – رحمهم الله – يتواصون بتعلم اليقين؛ كما ورد عن خالد بن معدان أنه قال : “تَعَلَّمُوا الْيَقِينَ كَمَا تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ حَتَّى تَعْرِفُوهُ فَإِنِّي أَتَعَلَّمُهُ”.

ومن ثمرات اليقين تذوق حلاوة الإيمان، ولذا قال ابن القيم”اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون”، وقال رحمه الله “فاليقين روح أعمال القلوب التي هي روح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصدِّيقية”.

وباليقين يصبر العبد على الابتلاءات ويطمئن قلبه مهما حلت بها الصعاب والكروب ولذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:” وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصائب الدُّنْيَا.


واليقين أصلح أول هذه الأمة، كما رُوي في الأثر “صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين”، ولن يصلح أخرها إلا ما أصلح أولها.

وأهل اليقين أكثر من ينتفع بآيات الله عزوجل، كما قال تعالى: { قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، وقال: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ}.

 وغير ذلك الكثير من الثمرات، فحقا لن يؤُتى عبد نعمة خيرًا من نعمة اليقين.

  • كيف السبيل !

والوصول إلى اليقين والسعي في تعزيزه له سبل متعددة، من أهمها:

التعرف على الأدلة والبراهين التي تثبت صحة الإسلام وأصوله ومصادر تشريعه، فدين الإسلام هو الدين الحق، والوحي الصدق، دين الفطرة ذو البراهين القوية القريبة من العقول والقلوب، القائمة على ما لا يملك الإنسان إنكاره من بدهيات الفطرة والعقل، براهين تدخل إلى شغاف القلوب بلا استئذان، بل إنها لا تدخل إلى القلوب إلا وتجدها مهيئة مستعدة لاستقبال هذا الدين، وكأن قلوب البشر بيوت قد أُعدت لاستقبال أصحابها، براهين يدركها الصغير والكبير، ويعقلها الناس على اختلاف طبائعهم وعاداتهم وثقافاتهم وتعليمهم.. إنها لك أيها الإنسان.

التعرّف على حقيقة هذا الدين, والوقوف على جمالياته وبدائعه في العقيدة والعبادة والأخلاق والأحكام, والعناية بالتزكية وسموّ النفس, والبناء المنهجي في جانب الاستدلال والتفكير والنقد.

ولقد اعتنى الوحي بهذه السبل عناية كبيرة، فما أكثر البراهين على صحة أصول الإسلام في الوحي، مذكورة بأبلغ عبارة وأقوى بناء استدلالي، وما أكثر الآيات التي تُظهر محاسن الشريعة وجمالها؛ ولذا مَن نهل مِن الوحي، سلك السبل النافعة البعيدة عن كل زيغ وضلال، وبلغ مُراده وحصل على مافيه شفاء للصدور وإقناع للعقول وطمأنينة للنفوس.

واقع مؤلم !


وقد أدّى الانشغال بهموم الحياة عن الهم الأخروي الأكبر إلى غفلة كثيرٍ من الناس عن جمال هذه البراهين وروعة هذه المضامين، حتى ضعف اليقين وغاب الشعور بحلاوة الإيمان، وضعف الإحساس بالخشوع في أداء العبادات، بل صار بعض الناس عرضة للشبهات والتأثر بها.

ومهما ابتعد الإنسان وانغمس في الملذات والمشغلات؛ فستظل روحه في حاجة إلى اليقين والخشوع وحلاوة الإيمان، وسيظل في أعماقه أسئلة وجودية لم ينفك البشر عن التفكير فيها، فمَن مِن البشر لا يحتاج لليقين وثمرته؟ومن منهم لا تطرق بابه مثل هذه الأسئلة؟ من أين أتينا؟ وكيف أتينا؟ وما هي الغاية من وجودنا هنا؟ من خلقنا؟ وماذا يريد منا؟ ما سر كل هذا الإبداع والإتقان في المخلوقات؟ ما سر هذا الانتظام وتلك القوانين الكونية؟

ولن يجد الإنسان الشفاء التام الشامل إلا بالوحي الصادق، الذي تحفظ به الفطرة ويرشد به العقل وتطمئن به النفس.

لذا لابد من تضافر الجهود لتذكير الناس بهذه البراهين وتلك المحاسن والمضامين، لتعود إلى تلك القلوب المتعبة قوتها، وترجع إليها راحتها، وتنعم باليقين لتنال بإذن الله سعادتها.


ثانيًا: فكرة المُيسّر في تعزيز اليقين

ولأجل المساهمة في إحياء هذا المسار، والمشاركة في هذا المضمار، ولدت فكرة كتاب يعزز اليقين ويؤسس للإيمان تأسيسا قويا، وذلك بذكر البراهين والأسس التي يقوم عليها، بشكل منظم مبوب.


ولما كان في أسلوب كثير من الكتب القيمة التي عنيت بهذا الأمر شيء من الصعوبة لا تناسب بعض القارئين، فقد توخينا أن يكون هذا الكتاب مناسبا لجميع الفئات؛ وذلك بأن يكون أسلوب المقالات فيه جامعا بين أمرين: سهولة العبارة وجمالها، وقوة البرهان وصحته، وقد جاءت مواضيع هذه المقالات شاملة لأصول دين الإسلام .

  1.  فقد تناولت في مستواها الأول موضوع أدلة صحة الإسلام بما فيه من حديث عن البراهين المثبتة لوجود الله ﷻ، والبراهين المتعلقة بالنبوات، والبراهين المثبتة لنبوة سيدنا محمد ﷺ، وبراهين صدق القرآن وبيان إعجازه.
  2.  كما تتناول هذه المقالات في مستواها الثاني حقيقة دين الإسلام وجماليته، وذلك بذكر حقائق الدين الأساسية، ومبادئ العقيدة الأساسية وأدلتها، والحديث عن تزكية النفس وحياة القلوب، وبيان جمالية الدين ومحاسنه.
  3. ثم تتناول هذه المقالات في المستوى الثالث ما يتعلق بمصادر تلقي المعارف عموما، ومصادر تلقي مسائل الدين بشكل خاص، وتتناول القواعد الاستدلالية التي توصلنا إلى فهم الأدلة فهما سليما.
  4. وختم المقالات يكون في المستوى الرابع بتناول قواعد منهجية ومهارات في التفكير الناقد، تعين المسلم على التفكير بالشكل الموصل إلى الصواب، وتمييز المعايير الحقيقية للوصول إلى صحة الأفكار من عدمها, وتشكل له درعا أوليا يحمله في وجه أصحاب التضليل والمغالطات، وتعينه على تفكيك الشبهات، وكشف مواطن الخلل فيها.   

 

هذا، وهدف قسم المُيسر في تعزيز اليقين بالموقع، هو نشر هذه المقالات تباعا بشكل يناسب النشر في وسائل التواصل، إلى حين تكامل هذا البناء لينشر في كتاب مستقل.

← وهذا رابط قناة تليجرام


ونسأل الله ﷻ أن ينفع بهذه المقالات، وأن يتقبلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يفتح علينا جميعا بالحق فتحًا مبينا، ويرزقنا حلاوة الإيمان واليقين، ويُحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

فريق مشروع الميسر في تعزيز اليقين

عنهم

المشرف العام/ د. طارق عنقاوي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى